Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

العراق

الصورة والخبر والحيادية الزائفة

                                                                   بقلم : وجيه مطر 

 

            لنحاول اعادة صورة ما جرى في بغداد ، وبعض المناطق في العراق ، من أم قصر الى كركوك وما بينهما من عواصف أخذت كل شيء الى الإتجاه الخاطيء .

          ادرك مدى الصعوبة التي تكتنف مثل هذه المحاولات ، لما فيها من تأثيرات نفسية وعصبية كانت قد أثّرت على اناس كثيرين ، وما زال البعض يعاني من تأثيراتها الجانبية وستبقى لأمد طويل ،  كمن يعود لنكأ الجراح بعود منتنة ، فنحتمل فوق عذابات الجراح روائح غير مستساغة . الاّ أن ذلك مطلوب بكل عذاباته ومأسيه ، بفرحه الذي استمر حتى مطار بغداد ، وفجاة تغيرت الصورة ، والأدهى من ذلك تغيرت موجة الفضائيات وما زلت أذكر كيف كنا نحرض الناس على متابعة محطة( LBC )   اللبنانية وغيرها من بعض المحطات ، وأذكر بالوقت عينه كيف تغيرت سياسة المحطة قبل معركة المطار بـ 24 ساعة ، وقد أبلغت بذلك صديقا مسؤولا في دولة عربية يهتم بالأعلام ، واسرّ لي بذهوله لما لاحظ من تغير في أكثر من محطة عربية أو لنقل تلك القنوات التي تتكلم باللغة العربية .

          أخذ السؤال التقليدي يطرح نفسه .. أي دور للفضائيات العربية ..؟؟

          هنا تبدأ المشكلة الحقيقية ، ومن هنا يبدأ اللغز المحير .. الذي ما زال عصيا على الجميع ، ما الذي جرى .. وكيف .. ومنذ متى ..؟؟

          كيف انقلبت الموازين .. ؟  من مواجهة باسلة في أكثر من موقعة ومكان .. ؟ وفجأة كأننا نشاهد فيلما من نوع مختلف ولمخرج أخر وممثلين ليسو هم .. !!!!! ؟؟؟؟؟؟

          ما نؤكد عليه .. انه أمر دبر بليل ، ...

          بعد ذلك بدأ دور الفضائيات العربية ، وأنا هنا لست ممن يرى أن الكل في دائرة الشك حتى يثبت العكس ، ولكن هناك رؤى قاصرة ، وهناك وعي مزيف ، وهناك لعبة الصدفة ، وهناك من يجيّر ، وهناك أيضا من هم في شك من أمرهم لسلوك مديد ، وهناك أيضا من استجاب للضغوط العليا ، تماما كما جرى للعديد من القنوات بعد اتصال السيد بوش ببعض الأمراء والشيوخ ، أطال الله في عمرهم .

          بدأ دور الفضائيات بعد ( روعة ) البانتغون بتوجيه صاروخ علىمكتب الجزيرة وابو ظبي في بغداد ، أدى الى استشهاد المناضل الصحفي / طارق أيوب / وجرح أخرين ، وثم.. مشهد أخر ..  تعتيم عام .. سوى بقعة ضوئية على ممثل واحد ، وباقي الخشبة تسبح في ظلام دامس ، لا يرى الاّ بعض خيوط واضاءات باهتة ، مثل دبابتين تقفان على جسر السنك ، وبعض انفجارات في بعض أجزاء من المدينة ،  نقطة وسطر جديد .

          ويبدأ الهزل الفج ، فضائيات العالم وعلى رأسها فضائياتنا العربية تصطف في طابور المهللين والمزمرين والمطبلين وهي تنقل أهم حدث في تاريخ القرن الفارط ، القرن العشرين ، والقرن الحادي والعشرين ، ولربما القرن الثاني والعشرين ، وهي تنقل حدث قلع تمثال صدام حسين من الساحة أمام فندق فلسطين ... صدام حسين .. فندق فلسطين .. مشهد اقتلاع الصمود  .. خارطة الطريق .. رئيس وزراء فلسطيني في عتمة المشهد ، هذا الإرتباط الجدلي .. الى أين سيقودنا هذا المشهد الهزلي الدراماتيكي . . ؟

          لكني أشهد لصبر ومقدرة / ماهر عبدالله / " مراسل الجزيرة "  على ترجمـة الحـدث بصورته المأساوية ، وكيف استطاع كل ذلك ، أم أن العمـل في الفضائيـات يسـتدعي كل هذه الإمكانات من القدرات على التكيف مع الحدث بسرعة تفوق سرعة تغير الحدث نفسه ..؟ أم هي ( الحيادية ) ( والموضوعية ) التي تتلبس فضائياتنا العربية .. ؟

          ينكشف هنا دور الفضائيات ، وتحضر مصطلحات الموضوعية والحيادية ، ونحن ننقل الخبر ، وتحضر أيضا كلمات الصدق والأمانة وأشياء أخرى لاحصر لها ..  ، وينكشف كم هو هزيل هذا المسمى ، الاعلام العربي  الرسمي ، وكم هو ( موضوعي جداً جداً جدددددددددددددددددا على طريقة الماسنجر) ، ومحايد ( بامتياز يشهد له )، الاعلام الموازي .. الفضائيات الحرة .

          تغطيه غير مسبوقة في القدرة على الصبر والمتابعة المضنية ، لحدث انزال تمثال صدام حسين في الساحة أمام  فندق فلسطين ، انها الحيادية المطلقة لأهم أحداث القرن ، ويترك المجال للقوات الأمريكية لتفعل ما تشاء في باقي بغداد تماما كما فعل هذا اليانكي برفع علم المحتل ـ الأمريكي على وجه التمثال ، تحديا لمشاعر كل عربي حر ـ بغداد التي كانت تستصرخ ضمير الأمة العربية الذي ما زال مجازا ، وضمير العالم المستتر في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وترشيحات العقود الخيالية .. الخ ..، أية موضوعية هذه واية حيادية تلك التي تختصر رسالتها ومهمتها في انزال تمثال أصم ، وتصويره وتقديمه وكأنه رمز الأمة وصمودها ودلالة التاريخ العربي ، وقد جاء الفارس على حصانه الأبيض  ليخلص الأميرة ، من سجن ويلز . أي مهزلة تلك التي كان يقودها الاعلام العربي تحت راية الموضوعية والحيادية .

          الغريب في الأمر كيف لا يسأل أي منا عن ، لماذا لا تتحلى الفضائيات الغربية بالحيادية والموضوعية وتنقل الخبر كما هو ، وكما تفعل الفضائيات العربية ..؟لماذا لا تكون كذلك كل من الـ / CNN   /    BBC /   FOXDWTV5 / ..  الخ.. لماذا فضائياتنا فقط هي التي تتجمل بالموضوعية والحيادية ؟؟ ولماذا هي كذلك بما يتعلق بقضايا الأمة والشعب ، وهي ليست موضوعية وحيادية بما يتعلق بالغرب وقضاياه ، فتنقل الخبر الى المشاهد العربي كما هو، وكما صنعته الألة الاعلامية الصهيونية والغربية الأمريكية ، ودون أدنى تدقيق أو تمحيص ، وان سأل سائل ، فان الجواب جاهز لتسمعه بكل وقاحة احيانا، اننا ننقل الخبر ، وهل كان عمل الفضائيات التي تحترم نفسها وتحترم اللغة التي تتكلم بها ، هو نقل الخبر ، وهل الفضائية العربية مجرد فضائية خبرية ؟؟ بينما نلمس تحري الدقة وتوخي الحذر في نقل الخبر من طرف العرب والعروبيين على وجه التخصيص . وعلى سبيل المثال لا الحصر أقدم / عمر الكحكي  / مراسل قناة الجزيرة ،اذا كان الاسم صحيحا ، وهو يرافق العدوان الأمريكي على الأمة العربية في ام قصر ، كيف كان يشيد بقدرة الجنود الأمريكان وسيطرتهم على الأمر منذ الأيام الأولى ، وكيف صور لنا أيضا تمثيلية الأسرى العراقيين ، رغم أن المقاومة بقيت حتى بعد سقوط بغداد . وأقرّت بذلك القوات الأمريكية . ويتأكد لنا ذلك عندما كشف أحد مراسلي أبو ظبي عن إسلوب العمل الصحفي ونقل الخبر والصورة ، لأي صحفي أو مراسل مع القوات الغازية ، ومفاد ذلك أنه لا يسمح لأي مراسل أو صحفي أن يرسل أي خبر أو صورة الاّ بعد مراقبتها والموافقة عليها . هنا تكمن الموضوعية والحيادية للفضائيات العربية ، باستثناء فضائية المنار ، التي لم تكن حيادية ولا موضوعية بل كانت منحازة حتى الثمالة ، ولذلك كانت حائزة على أكبر نسبة من المتابعين والمتفرجين العرب في الوطن العربي وخارجه .

          هناك الكثير من الأمثلة التي تدل على هشاشة الفضائية العربية وعدم المعرفة العلمية باليات العمل الإعلامي ، وأهمية دور الاعلام وقدرته على صياغة الوجدان الشعبي الذي يمثل في النهاية وجدان الأمة . كأن نطرح الصورة ونقدمها بالحاح ، صورة النهب والسرقة التي كانت تجري دون أية محاولة أو جهد يذكر في أسئلة من هم هؤلاء ؟ ومن يقف وراء هذا التخريب المتعمد ؟ لماذا تقدم صورة العراقي المتخلف والهمجي وهو يسرق وينهب ويدمر المؤسسات التي لم تطلها اليات الدمار الأمريكي ويحرقها ؟ ولم يصور العراقي الذي يكظم غيظه ويقاوم ويعبر عن شهامة وحضارة العراقي العريق ؟؟ لماذا لم يحرق ولا قصر من القصور ، اذا ما كانت الحجة انها ردة فعل الشعب على ظلم النظام وقهره ؟ بينما حرقت الوزارات والمنشأت ، حتى تلك التي تحفظ لهم وثائقهم المدنية من شهادات الميلاد الى شهادات المدارس والمعاهد والجامعات  ، الى شهادات اثبات من هو العراقي . وكذا أرشيف الاذاعة المرئية والمسموعة واتلاف الشرطة التوثيقية لتاريخ العراق الحديث والمعاصر من الموسيقى والغناء والمؤلفات الفنية الأخرى ؟  ودار الكتب والمطبوعات والوثائق والمخطوطات النادرة ، التي يعود تاريخها الى السومريين والأكاديين والبابليين والعصور الإسلامية المتوالية من كتب ومخطوطات وترجمات تعتبر من أغنى وأرقى المراجع الحضارية التاريخية في العالم أجمع ؟؟ لماذا يسرق المتحف الوطني الذي يؤرخ لحضارة العرب وليس للعراق وحده فحسب ، ويدمر ما لا يؤخذ ويسرق . ولم يجر ذلك على وزارة النفط وبعض اماكن المخابرات والمواقع ذات الأهمية للبرنامج والمخطط الأمريكي في العراق والمنطقة ؟؟

          هذا الشكل من الاعلام يضع المتفرج العربي المشدوه المسلوب الإرادة حتى الإختيار ، امام أحد خيارين ، إما هذه الفضائيات بكل عجرها وبجرها ، بكل غثها وسمينها ، بكل ما لدينا من ملاحظات تصل أحيانا حد التشكيك ، أو اللجوء الى علب الحكومات التي تغتصب كل شيء فينا حتى ارادة التفرج والرؤيا . فيقدمون خطابا اعلاميا متخلفا ومقززا .

          وامام هذا المشهد المأساوي القاتل والمدمر للحالة الإنسانية في نفس كل عربي ، فان هذه الفضائيات سلبتنا حتى ارادة التفكير ومنهجية التحليل ، بل هي حولت كل منا الى فضائية متنقلة ، ونسخة عنها ، تبث سموم الخبر وصناعته ، ما بين الناس الذين لا يملكون الصحون .. وهذا من فضل الله عليهم على الأقل في الظرف العربي الراهن ، فرحم الله عقولهم ونفوسهم .

          واذا ما أخذنا على سبيل المثال لا الحصر ، صورة فضائية ، هي صورة الطفل العراقي الذي فقد أهله وبترت أطرافه اثر عملية أمريكية لتحرير العراق ، فحررته من أهله للأبد ، بل حررته من أطرافه وقدراته المستقبلية . ينقل هذا الطفل الى الكويت وسط احتفالية فنتازية ، للعلاج ، وانبرى الشيخ والأمير الفلاني للتبرع من أموال أبيه الذي كد وجد للحصول عليها ، وارساله للخارج لمتابعة علاجه على نفقة الدولة ..و، و،و .. الخ.

          نقف هنا أمام حالة نموذجية لتأثير الصورة وصناعة الخبر ،ونسأل بعض الأسئلة الطبيعية وان كانت محرجة لنا أولاً قبل الأخرين ..

          1 / هل الطفل العراقي علي حالة عراقية فريدة وغير مكررة ، وهي المصيبة الكارثية الوحيدة ، أم أن الحرب الأمريكية المدمرة أتت على الكثيرين من أمثال علي ، وجميعنا مازال يذكر ملجأ العامرية ، وفي هذه الحرب الأمريكية الصهيونية البريطانية مذابح ومجازر عديدة تفوق بكارثيتها ومأساتها ملجأ العامرية ومخيم جنين .

          2 /الجميع انساق وراء خبر نقل الطفل علي الى الكويت ، لكن فضائية واحدة لم تسأل في سياق الخبر ، من الذي يقف وراء تدمير حلم طفولة علي ، من دمر طفولة علي بكل هذه القساوة والبربرية المتوحشة ..؟؟  بعضهم يتفذلك في اجابة تنم عن جاهلية متجذرة ، بان السبب هو النظام العراقي الذي رفض الإستجابة للأوامر الأمريكية والشارونية .ولذلك فاننا نعاقب صدام حسين وأولاده والنظام العراقي برمته بقصف الشعب وقتله وابادته ، بتدمير بيوته ومِسساته وقطع الماء والكهرباء وكل سبل الحياة .. وتحويله من شعب حضاري متعلم ومستقل وينحو الى الجتمع الصناعي ولديه الحد الأدنى من الإكتفاء الذاتي ، الى شعب متخلف جائع يستعطف الماء في وادي الرافدين .. من شعب كان يوزع المساعدات عاى شعوب الأرض ، وليس من عربي ليس لشعب العراق حق عليه من مساعدات مباشرة أو من وقفة قومية في الدفاع عنه في كل مكان .

          3 /هنا يتحول الطفل الكارثة بسبب الة الدمار الأمريكية ، ومساعدة بعض من لازال يدعي العروبة ، الى ضحية النظام العراقي ، فيتحول الجلاد الى الرحيم العطوف الرؤوم ، حريص على الإنسانية والطفولة المعذبة ، ويتحول نظام الكويت ، من نظام تابع عميل كان يحرض أمريكا للحرب على العراق أكثر من شارون وبلير ، الى نظام انساني حريص على انقاذ الشعب العراقي ، بانقاذه عليا ..

          4 /واخراج علي الى الكويت ، لأن المستشفيات العراقية لاتمتلك الإمكانات الطبية ، وهي التي تخرج مئات الأطباء كل عام من جامعاتها التي يساوي عدد طلابها مايزيد عن عدد سكان الكويت ومن يعمل بها من غير الكويتيين ، ولأن المستشفيات ليس بها أدوية ومعدات ..الخ، ولم يكلف أي من ناقلي الخبر أو من صانعيه حتى لايغضب من يرى انه من يصنع الخبر ، من الذي يقف وراء منع دخول المواد الطبية والأدوية ، ومن سرق الأدوية الموجودة في المستودعات وفي المستشفيات لتضميد جراح طفولة القنابل العنقودية لتحرير العراق .. ؟؟

          5 / كيف يتحول علي من كونه ضحية الدمار الصهيوني الأمريكي ..من صورة تحريضية لإشعال الغضب العربي ضد الإحتلال والطغاة ، الى صورة تخدم الوسيلة التهديدية للشعوب المقاومة أو لمن ما زال يفكر بالمقاومة ، بأن هذا هو المصير ..

          هذه امثولة يزخر العراق اليوم بها جراء حربين خاضتهما الصهيونية الأمريكية ، لإضعافه واخراجه من نسق الصراع العربي الصهيوني ، وقد دجنت بعض من يدعي المعارضة فدخلت الى العراق على الدبابة الأمريكية ، وكانت قد دربتهم على خدمتهم حال تنصيبهم حكاما على هذا العراق الأبي .     

          هل تستوعب الفضائيات ذلك ؟ أم أن الأمر يحتاج الى تبريرات أخرى ومن نوع أخر ؟

          هذه الإجابة تنتظر الغد القادم... غدا اذا ما تحرر العراق ، وصحت بغداد على جرحها العميق ، وكربلاء على فاجعتها المتجددة، والبصرة على البصري وقد سرقوه ، والموصل على لحن غريب نشاز وهي تسأل عن قيثارة زرياب ولحنه الحزين، عن المسيب وقصائد بدر شاكر السياب وهو يرعد بقصيدته / غريب على الخليج / وليس في شتاء العراق من مطر .. مطر .. مطر .

          وتستيقظ بابل وتسأل عن معلقاتها ، وأشور عن أسدها المتحفز ، عن الثور المجنح ، ويستفيق جلجامش من غفوة لحد صديقه أنكيدو ... وأين أوروك .. ؟؟

          ويسأل أبناء العراق الأبرار ، الذين كانوا يعضون على جراحهم ويكظمون الغيظ من كل خلل أو انحراف ، ورفضوا بكل اباء الخروج من العراق ، ومن خرج منهم رفض بكل كبرياء الدخول على دبابة الأمريكي القاتل النهم السارق القذر .

          اذا ما سأل هؤلاء عن تاريخ العراق كيف نُهب ومن الناهب ؟ عن مؤسسات العراق كيف حرقت ، عن انجازات الشعب لنصف قرن ويزيد لماذا دمرت وخربت وحرقت ونهبت بهذا الشكل الثأري القصدي المضمر والمخطط له بدقة متناهية .

          اذا ما سأل هؤلاء ومعهم رفاقهم من العرب في الصحوة القادمة .. أيها الغرب ( الحضاري والمتقدم )  انكم مسؤولون عن هذه الكارثة، عن كل ما جرى ، وما نتج عنه من تداعيات . واننا نطالبكم بالتعويض المادي، والمعنوي ، عن توقف التنمية بفعل اعتداء جيشكم على بلادنا وتدمير بناها التحتية ، وتعطيل مسيرة المستقبل .. نطالبكم بالتعويض التاريخي عن محاولاتكم الحاقدة في مصادرة مستقبلنا ومستقبل أجيالنا اللاحقة .

          اذا ما طالبناهم بذلك كله فانهم يكونون بفضل صناعتهم للخبر وبث الصورة قد جهزوا انفسهم بالرد علينا ، نحن أتينا لتحرير العراق كما أتينا قبل عقد لتحرير الكويت ، ولم نفعل الا كل فعل حضاري ، وأحضرنا معنا البسكويت والشيبسوبعض لفافات الجروح ، وأما من فعل الأفعال المشينة من نهب وسرقة وحرق وتدمير .. انما هو الشعب العراقي الذي فعل ذلك كردة فعل على قمع النظام وقهره ولثراء الحكم على حساب الشعب بجوعه وفقره ، واذهبوا الى فضائياتكم والصور ستخبركم عمن سرق ونهب وحرق ودمر . وحينئذ لن نكون في حاجة لذلك لأن فضائياتنا تكون قد فعلت فعلتها وأتخمت عقل ونفس المواطن العربي بعبثية هذا الشعب أو ذاك واستحالت أي شكل من أشكال المقاومة .

          نعم ساهم الكثير من الفضائيات بتكريس ظاهرة ان الشعب العراقي، شعب متخلف همجي وغير وفيّ جائع ويقبل يد المحتل مقابل زجاجة ماء .. وهو الشعب الذي منّ على التاريخ الإنساني بالحضارة التي يرفل بها الأن ، أول واضع للشرائع والقوانين ومسلة حمورابي تشهد ، فيأتي من لا تاريخ له كي يسرق تاريخ الحضارة الإنسانية من شعب التاريخ وشعب الحضاره ، شعب وادي الرافدين ..

          لنتصور أن هذه هي الصورة التي تكرست في أذهان الشعب العربي ، كم ستكون المأساة ، انها محاولات لتدمير النفس العربية والعقل العربي ، ولزرع الفتنة العربية العربية ، وابعاد العربي عن العربي ، واعتبار كل له مشكلة خاصة به لاتعني العربي الأخر ولا علاقة له بها .

           ان احتلال الأرض يزول ولو بعد حين ، ولكن هل يزول احتلال العقل واستيطان النفس ، بسهولة ازالة احتلال الأرض ؟

          فلا يحاولن أحد في تكريس هذه الظواهر أو المساعدة في زرعها واستيطانها بين ظهرانينا من الفرد الى المؤسسة ومنها الفضائيات  ، الى الأنظمة ، ومن تعب أو كلّ فليسترح وليتنحى جانبا ، فرحم الأمة ولاّد .......   وان طال الطريق .. ففجر مجد الأمة قادم لا محالة  ... !!