إلا أن الظرف الذي كانت تمور به المنطقة بعامة والأرض المحتلة بخاصة الجم البعض عن الإفصاح عن حقائق الأمور , ووضعها في نصابها . ولم يمض بعض الوقـت,حتى أخذت الغيوم تنقشع والأصوات ترتفع , إذ أن ما كان يجري على الأرض, بخلاف مـا هو معلن أو يعلن عنه . وأول هذا الاختلاف هو التناقض الصارخ ما بين القرار السياسي للسلطة وما بين القرار الكفاحي للشعب .إذ أن التصريحات وهي واضحة للجميع , من اعتبار العمل الكفاحي عملا إرهابيا وأدانته في كل المناسبات, من المستوزر إلى أعلى مراتب السلطة, ألي الانتقالات ,والمحاكمات المثيرة للشبهة , .. الخ . وما حاولت وسائل الأعلام تسويقه بشأن القتال الذي كان يجري من غرفة لغرفة ,وكأن مقـره قصر ملكة بريطـانيا أو البيت الأبيض , البنتاغون ,ليحتوي مئات الغرف. بينما كنا نرى ونسمع عن تحركات رموز السلطة واحتلالهم أكثر الفضائيات والتصريحات النارية التي أتخمونا بها , وكأن أيلول عمـان و82 بيروت لم تغادرنا كما غادرناها ,نفس الخطاب السياسي, ونفس النبرة العنترية لنعود ونجتر الهزيمة ,ونصنع منها انتصارا وهميا أخر , ثم نندب حظنا ,ونصرخ " يا وحدنا" لا عـرب معنا ,والظروف الدولية ليست مؤاتية بل هي ضدنا , ناهيك عن نغمة انتفاء التوازن الدولي وما إلى ذلك , الذي كان يؤدي بالنتيجة إلى المزيد من التنازلات .
إن اختصار نضال شعب وكفاح أمة , بحصار أو اعتقال شخص ,إنما هي محاولة مكشوفة من اجل تمرير ما هو اخطر مما سبق , وبخاصة المواقف والتصريحات التي كان يطلقها كل من شارون وبوش وحكومتهما , والعدو الصهيوني يوغل في نازيته ومجازره التي كانت تمارس بمباركة أمريكية وصمت عربي رسمي مريب , في مخيم جنين ونابس وباقي المناطق الفلسطينية الأخرى . وذلك من اجل إيهامنا بان السلطة ورموزها عـادت وطنية ولا بد إذن من التسليم لها ومحو أو تناسي كل ما أقدمت عليه منذ ما قبل أوسلو حتى الآن . أي أن ننسى ما يلي :
أولا : اعتبار العمليات الاستشهادية عملا إرهابيا .
ثانيا : إن الحصانة للسلطة التي كانت تصول وتجول , ولا حصانة للشعب وللإنسانية .
رابعا : استجابة السلطة لاشتراطات شارون والحكومة الأمريكية , بمحاكمة أبطال الجبهة الشعبية الذين نفذوا قرار الشعب بإعدام وزير السياحة " زئيفي"
خامسا : الاستجابة تحت وقع المجازر الصهيونية البشعة التي كانت تجـري ضد شعـبنا بتسليم مناضلينا للمخابرات المركزية الأمريكية .
سادسا : قيام المدعو جبريل الرجوب بتسليم مائتي من المناضلين والمطلوبين للعدو , من حماس والجهـاد والفصائل الأخرى , وقد
ناشدت هذه الفصائل السلطة وأجهزتها بالإفراج عنهم ليمارسوا دورهم النضالي في ساحات القتال .
سابعا :جاءت عملية كنيسة المهد وعادت ريمه لعادتها القديمة , بتشكيـل وفـد مفاوض للتفاوض العلني ,واخذ يمارس هذا الوفد
صلاحيات التفاوض مع العدو ليفاجأ الوفد
كما الجميع بمفاوضات سرية دون علـم الوفـد العلني , وتمت الصفقة بالموافقـة على الاشتراطات الصهيونية والأمريكية بإبعادهم عن ارض الوطن,إلى لجـوء جديد ,يضاف إلى اللجوء الذي يعاني منه شعـبنا منذ نكبة عام 1948 , ويبقى الخطـاب السياسي التضليلي للسلطة كما كان , ليليه تنازلات وتفريط بحقوق الشعـب , تحت شعار ليس بالإمكان افضل مما كان .
ثامنا : تخرج السلطة من حصارها الشكلي , لتعود إلى ديدنها دون أدنى خجل,فتقدم على الاعتقالات ,وإدانة العمليات البطولة وتعتبرها عمليات إرهابية .
تاسعا : بعد كل ما جرى , سمعنا بعض الأصوات وهي تنادي بالإصلاح ومحاربة الفساد , وهو موضوع سابق للأحداث الأخيرة , إلا إن أحدا لم يستجب أو يعـطي بالا , إن للـتجـاوزات ألأ منية , أو للفساد الذي استـشرى في كل جسـد السلطة , أصبحت السمسرة ونهب قـوت الشعب من سمات المستوزرين والموالين . فتعالت أصوات الشعب وكاد أن ينتــــفض على السلطـــة وأجهزتها القــمعية والفاســدة لولا إنقــاذ شارون لها بتدنيسه المسجد الأقصى فتحولت الانتفاضة ضد العـدو الصهيوني . وجرى ما جرى من مذابح ومجازر , وتلاشت السلطة , وهذا ما أعطى الشعـب القدرة على المواجهة , لأن قراره بيده وما عاد من أحد بقادر على لجمه ومصادرة قراره , ومع ذلك فان السلطة لم تستجب وتقر بضرورة الإصلاحات , إلا بعد أن اشـترط شارون وقبله بوش بضرورة ما أسمياه إصلاحات .والإصلاحات المملاة تتلخص ب :
1 / شروط شارون : تغيير بنية السلطة , وتغيير المجتمع الفلسطيني , أي أن تصبح السلطة مطواعة أكثر , وضرب البنية الكفاحية للمجتمع الفلسطـيني , ليتحــول الجـميع إلى مستسلمين , وهــو ما استجابت له السلطة على لسان رئيسها مؤخرا .
2 / شروط بوش : أن يعمل رئيس السلطة ما يجب فعله كي يحظى بثقة بوش , وبناء الأجهزة وبخاصة الأمنية منها , وسيرسل بوش رئيس ( CIA ) للأشراف المباشر على إعادة بناء الأجهزة الأمنية , الفلسطينيـة بمـا يتناسب مع ضرورات الأمن الصهيوني والمصالح الأمريكية في المنطقة .
وإذا كان البعض يحجم عن تناول أوضاع السلطة في ظل أوضاع المواجهة مع العدو فان الظروف لم تعد كما كانت , لأن ما هو قادم بفعل تنازلات السلطة سيكون اشد خـطرا واكثر تفريطا , وسيتم ذلك تحت المظلة والمعزوفة المعروفة ـ أين العرب .. شعبنا يذبح.. الوضع الدولي.. توازن القوى ... الخ ـوبالمقابل سيعزفون على رباب بطولة الشعب الفلسطيني وارتباطه بقيادة السلطة , وليس هناك من أتدنى شك في الأنموذج الخارق الذي سطره شعـبنا الفلسطيني الصابر والمصابر. ولكن الذي لا بد من التأكيد عليه , إن ديدن الشعب الفلسطيني هو النضال الدؤوب,لا يعرف التراجـع ولا يساوم علـى حـقـوقـه التاريخية , وما جدارية الدم التي نقشها بلحمه العـاري , في جنين ونابلس وباقي
المناطـق الأخرى, إلا التأكيد على مواقفه التاريخية المشهود لها,والتي انحنى لها الجـميع بكـل إجلال واكبار .
إلا انه لا بد من التفرقة ما بين نضال الشعب ,وما بين قرار السلطة وادائها , فالشعب وأبناء الشعب والفقراء , هم الذين يدفعون الدم , وهذا ما كان على مدى قرن على الأقل, ولكننا لم نسمع باستشهاد ابن وزير أو مسئول , أو استشهاد أي من قيادات السلطة ,فهم في منأى عن ذلك كله , ففعل الاستـشهاد والمشاركة في القتال ,من فعـل العوام الفقراء وليس من فعـل الخواص وأبناء الخواص . وهذا ما لا يحتاج إلى أدلة نسوقها فالرجوع إلى قوائم الشهداء والمعتقلين والأسرى والجرحى ,كلها تشهد على ذلك .
وعليه , فان ما جرى وما زال يجري , لا يخرج عن نطاق لعبة أضحت مكشوفة للجميع ,وبخاصة تلك الضغوط المعلنة على السلطة الفلسطينية , من تغيير رئيس السلطة إلى عدم التفاوض , إلىالاستمرار
بسياسة المجازر والمذابح ,إلى القبول بها لدى الدوائر الأمريكية والعربية الرسمية .
نعم , فان حجم الضغوط كبير , ولكن ذلك لا يستوجب قبول الاشتراطات الصهيونية والأمريكية, والتنازل عن حقوق الشعب التاريخية في فلسطين, وهي حقوق الأمة, والشعب لا يفاوض على حـقـوقـه , ولــم يـبــخـل بالـــــدم والعــطــاء , ولا يمـل أو يكل , إلا
من تعب أو هرم , فما عليه سوى إفساح المجال للشباب ,وللأجيال كي تأخذ دورها الذي يحاول أصحاب الامتيازات والمصالح احتكاره واغتصابه . وفي مثل هذه الحالة لن يكون الأمر إلا لصالح العدو.
وعندما نتحدث عن الأشياء الكبيرة والعظيمة , يصبح من العيب التحدث عن الأشياء الصغيرة , كأن نتحدث عن أداء السلطة , لأنها أقدمت وستقدم على تنازلات مست وتمس بالسيدة القومية .
15 / 5 / 2002 وجيه عمر مطر