Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

بعدما زوّرت التاريخ والجغرافيا:

 "اسرائيل" وتشويه علم الجينات

                      غادة الكرمي*


تختلف "اسرائيل" عن غيرها من الدول، اذ قامت على مجموعة  من الاساطير، ابرزها اسطورة الوعد الالهي لليهود بـ "ارض الميعاد".

ومن الاساطير ايضا مقولة "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" اذ روجت الحركة الصهيونية قبل الاستيلاء على فلسطين وتهجير اهلها، ان فلسطين ارض خالية من البشر، ويحق لليهود اقامة دولتهم الخاصة عليها، طالما ان الارض الفلسطينية لا تعود لاحد.

والاسطورة الاخرى، هي الـ "هولوكوست" أي المحرقة حيث يزعم دعاة الصهيونية ان المانيا النازية احرقت 6 ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية، على الرغم من ان الابحاث العلمية والتاريخية الرصينة تنفي ذلك.

وقد تكون مجموعة الاساطير تلك، قابلة للتجاوز وغض الانظار العلمية والتاريخية عنها بالنسبة للرأي العام الغربي، ولكن "ام الاساطير" التي تحاول "اسرائيل" الان ترويجها تتعلق بـ "الجينات" ، او " بعلم الجينات" ، اذ نشر باحثون "اسرائيليون" مؤخرا، دراسة يقولون فيها، انهم اجروا بحوثا جينية على حوالي 300 يهودي من جنسيات مختلفة ، ويحملون اسم كوهين، فتبين لهم انهم عرق واحد.

 

الموضوع التالي يسلط الضوء على هذه المسألة.

المعروف ان الادعاء الصهيوني بفلسطين قام على اساطير تبرر الاستحواذ على تلك الارض. وتفترض هذه الاساطير ان هناك سلسلة مترابط  من الاحداث التاريخية التي تجعل رغبة اليهود في اقامة دولتهم في فلسطين امرا منطقيا. وهذه الاحداث، حسب تسلسلها هي ان فلسطين كانت بلدا يهوديا من زمن النبي داود حتى نحو قبل 2000 سنة ، عندما طرد الشعب اليهودي باسره من تلك الارض وتشتت في انحاء العالم، لكنه بقي شعبا واحدا على رغم ذلك، وها هو الان في القرن العشرين يعود الى وطنه الاصلي.

الا ان نظرة متفحصة لتاريخ المنطقة تبين تفاهة هذه الافتراضات. اولا، ليس هناك ادلة تاريخية أو اثرية على وجود "اسرائيلي" مسيطر في فلسطين في زمن داود، على رغم كل جهود التنقيب التي بذلها باحثون "اسرائيليون" في انحاء البلاد من اجل البرهنة على ذلك. ثانيا، تشير الادلة التاريخية الى ان الطرد من القدس عام 76 للميلاد ، ثم من مناطق اخرى من فلسطين اثر الثورة اليهودية على الرومان عام 135 للميلاد، لم يشمل في المرتين سوى اقلية صغيرة، فيما بقيت الغالبية مكانها ، وتحولت الى المسيحية، كما لنا ان نتوقع، خلال القرون الاولى بعد السيد المسيح. وبعد الفتح الاسلامي لفلسطين في القرن السابع للميلاد تحول اكثر هؤلاء الى الاسلام، فيما بقيت اقلية من المسيحيين واليهود على دينها عبر التحولين.

بتعبير اخر، ان ما نسميه "الفلسطينيين" يتحدرون مباشرة من تلك الاقوام القديمة التي اعتنقت اليهودية ثم المسيحية ثم الاسلام، وان الاختلاط الذي كان لا بد له ان يحصل عبر القرون مع شعوب وقبائل اخرى لا يغير من جوهر هذا التسلسل. بهذا المعنى فان "يهود" قبل الفي سنة بقوا مكانهم وغيروا انتماءهم الديني بالتتابع ، تماما كما حصل في المناطق الاخرى في الشرق الاوسط.

هذه الاستمرارية التاريخية تتماشى مع الانماط المألوفة للسلوك الانساني اكثر بكثير مما يزعم المنظور الصهيوني الذي يرى تبادلا سكانيا، حيث يخرج سكان من هذا البلد ليوضعوا في ذاك. لكن حتى لو وافقنا على المنظور الصهيوني الذي يدعي ان تهجيرا كبيرا من فلسطين حصل في 135 للميلاد فان ذلك لا يفسر الظهور اللاحق لذلك العدد الكبير من اليهود الاوروبيين الشرقيين. اذ من المستحيل تفسير تلك القفزة في عدد اليهود عن طريق التكاثر وحده، بل انها تشير الى احتمال اعتناق اليهودية من قبل اقوام اخرى (كما في حال قبائل الخزر في وسط اسيا التي تحولت الى اليهودية في القرن العاشر للميلاد). لكن الاعتراف بهذا الاحتمال ينسف من الاساس المقولة الصهيونية عن امة يهودية وطنها الاصلي فلسطين، وبالتالي الحجة المقدمة لاقامة الدولة اليهودية.

ازاء هذا الاحتمال شن الصهاينة حملة متواصلة من الدعاية والتزوير لتعزيز كل حلقة في السلسلة الاسطورية التي اختلقوها لربط اليهود بفلسطين في كل شكل ممكن، واحرزت الحملة في الغرب نجاحا ؟ديرا بالانتباه. اذ ليس هناك في الغرب، عدا اقلية ضئيلة، من يشك في ان فلسطين كانت يوما ما وطنا لليهود وان لهم بالتالي حقا طبيعيا في السكن هناك الان. كما لا يشك احد في ان التفاوت الكبير في الهيئة واللغة والملبس والعادات بين يهود روسيا والمغرب واثيوبيا مثلا، او حتى اليهود الذي جاءوا من أمريكا ليباشروا عمليات الاستيطان يبدون اميركيين اقحاحا، ينتمون الى العرق نفسه. ولا ترى غالبية الغربيين التناقضات المتأصلة في دولة مصطنعة مثل اسرائيل، بين اسطورتها الرسمية عن شعب موحد يسكن موطنه الاصلي التاريخي من جهة ، وحقيقتها كخليط من السكان لا يجمع بينه سوى الدين. هذا الوضع يبدو كانه يعني ان المنطق والعقل نفسيهما يصبحان موضع شك عندما يأتي الامر الى "اسرائيل" ، التي تعامل على انها كيان فريد من نوعه يتعالى عن المقاييس التي تطبق على كل القضايا الاخرى.

لكن الظاهر ان الصهيونية لا تكتفي بنجاحها في احتلال كل اراضي فلسطين، كما لا تكتفي بانتصارها الدعائي الكبير المتمثل بقبول الغرب اسطورتها المؤسسة، اذ ان "الاسرائيليين" يواصلون الجهد لتوطيد شرعية وجودهم في تلك البلاد. وهذا ما يفسر اعمال التنقيب المستمرة الواسعة والتطوير المستمر للتاريخ اليهودي البديل المختلق. اغرب ما في الامر ان اخر محاولة في هذا المضمار لم تأت من مؤرخين او باحثين في تاريخ التوراة بل علماء الجينات. فقد نشرت مجلة "نيتشر" العلمية المرموقة في عددها في التاسع من تموز (يوليو) تقريرا لباحثين من جامعات لندن واكسفورد وحيفا، وكلهم تقريبا يهود او "اسرائيليون" ، من بينهم ايضا الباحث تيودر بارفيت، وهو ليس يهوديا او "اسرائيليا" لكنه معروف بتأييده المتحمس للصهيونية و"اسرائيل" . موضوع التقرير كان "الجينات اليهودية" ، وينطلق البحث من العهد القديم، بالتحديد من روايته عن حصر سلك الكهنوت (كوهانيم - من هنا الاسم الشائع كوهين) جيلا بعد جيل بالذكور من ذرية هارون شقيق النبي موسى. فرضية البحث كانت تقوم على ان اليهود الذي يحملون اليوم اسم كوهين يحتفظون من حيث التكوين الجيني بهذا الارث، ويختلفون بسببه عن بقية اليهود. وللتحقيق في الامر اجرى الفريق فحوصا جينية لـ 306 من اليهود الذكور من "اسرائيل" وكندا وبريطانيا، من الاشكيناز (اليهود الغربيين) والسفارديم (الشرقيين).

كانت النتائج ان نوع "جينات كوهين" متشابهة سواء كانوا من الاشكيناز او السفارديم، فيما كان نوع جينات اليهود الآخرين مختلفا. استنتج الباحثون من ذلك ان الذي يحملون اسم كوهين كانوا مجموعة جينية منفصلة تتحدر من شخص واحد هو اصلها الجيني. حاول الباحثون ايضا تقدير زمن وجود ذلك الشخص عن طريق معادلة معقدة تقيس الزمن الذي يستغرقه التغير الجيني. وتوصلوا، عن طيق ضرب عدد التغيرات التي وجدوها في جينات الاشخاص المعنيين بالفترة الزمنية للجيل التي يستغرقها التغير، الى ان اصل هذه المجموعة يعود الى 106 اجيال، واذا كانت الفترة الزمنية للجيل الواحد تراوح ما بين 25 الى 30 سنة فان الزمن الذي استغرقته تغيرات جينات مجموعة "كوهين" لتصل الى وضعها الحالي يتراوح ما بين 2000 الى 3000 سنة.لدى العودة الى العهد القديم وجد الباحثون ان هذا التاريخ يتطابق مع المرحلة الزمنية بين الخروج وتدمير المعبد الاول في 586 قبل الميلاد.

لم يكن هذا التقرير الاول الذي يتناول موضوع الجينات اليهودية. ففي 7 شباط (فبراير) الماضي نشرت صحيفة "جويش كرونيك" اليهودية البريطانية تقريرا عن بحوث قام بها قسم من الفريق البحثي نفسه. ووقع البحث في شقين : دراسة جينات جاليات يهودية من اليمن واثيوبيا واوغندا، ودراسة جينات يهود من تشيكوسلوفاكيا: الهدف كان الجواب عن السؤال: هل تعود الجاليات اليهودية المختلفة الى اصل واحد، ام هل تتشابه من حيث الجينات مع السكان المحليين، مشيرة بذلك الى تحول نحو اليهودية او الزواج المختلط؟.

لم يستطع الباحثون تحديد جواب حتى الان، سوى في ما يخص يهود تشيكوسلوفاكيا، الذي كان بينهم تشابه جيني اكثر مما بينهم وبين بقية السكان. لكن اكتشاف "جينات كوهين" اثار حماسة كبيرة في الاوساط اليهودية، بل انه تعداها. ؟ذ تناول القصة قسم العلوم في هيئة الاذاعة البريطانية " بي بي سي" ، القسم الدولي، بعد يومين من نشره في "نيتشر". هذا القسم هو من الاقسام الداخلية المركزية لهيئة الاذاعة البريطانية، ويوفر المواد لمنتجي البرامج العلمية بكل اللغات التي تبث بها الاذاعة. ولدى سؤال القسم عن السبب في اختيار هذه القصة السخيفة من بين الكمية الهائلة من الاخبار العلمية في انحاء العالم كان الجواب انهم وجدوها غريبة ومثيرة للاهتمام.

لا اعرف ما اذ كان منتجو البرامج العلمية في الاقسام الاخرى من الاذاعة بثوا التقرير عن "جينات كوهين"، لكن من المذهل توجيه الاهتمام لعمل على هذا المستوى من الانحطاط. فهناك حاجة الى التساؤل عن صحته العلمية، أي عن المنهج المستخدم، والفرضية الاساسية التي تقوم على مصدر ديني، والنتائج التي لا تبررها الادلة، ناهيك عن القضية الاساسية التي يطرحها العمل: الفحوص الجينية العنصرية. فمن الصعب ان نفهم كيف ان علماء من اليهود الذي تعرضت جالياتهم في اوروبا لأهوال النازية ونظرياتها عن النقاء العرقي والتجارب الجينية يبحثون في قضايا جينات العرق. وعلى رغم ان التقرير في "نيتشر" يستعمل الكثير من التعابير العلمية الرنانة والمعادلات الاحصائية والجداول المعقدة فان كل ذلك، كما ارى، لا يستطيع اخفاء هدفه الحقيقي، وهو انه محاولة اضافية - اكثر ابتكارا ورقيا من المعهود - لتلفيق صلة تاريخية بين اليهود الحاليين، حتى لو كانوا يعيشون في كندا، وقدامى "الاسرائيليين" الذي يتحدث عنهم العهد القديم.

تفاهة هذا النوع من "الابحاث" تجعل من السهل صرف النظر عنه واعتباره من اعمال اقلية من المتشـددين غريبي الاطوار. لكن هذا الخطـأ. ذلك ان عدم تحديه يضفي عليه مسحة من الصدقية، ان لم يكن في الاوساط العلمية فعلى الاقل في اوساط الرأي العام. فالصهيونيـة تدين، الى حد كبير نجاح اساطيرها ومزاعمها التي لا تقل سـخفا عن "جينـات كوهين"، الى صمت الطرف المقابل. اذ انني اشك في ان الصهيونية كانت سـتنجح في "تمرير" اكاذيبها لو حرصنا منذ البداية على دحض تلك الاكاذيب . لكن هذه "الابحاث" الحالية في الجينات اليهودية تعطينا فرصة ممتازة لتصحيح سجلنا المؤسف : المبادرة الان بيد العلماء والباحثين العرب في الجينات ليقودوا حملة لتسفيه هذا العمل، وان يقوموا بذلك الان ، قبل ان يكتسب الصدقية.


*طبيبة وكاتبة فلسطينية تقيم في لندن

الحياة - 31 - 7 - 1998